![]() |
|
|
|
كيف تحبب تلاميذك للتدريب؟
لاشك أن من أهم دوافع الإنسان لأداء أي عمل مهما كانت طبيعته ثلاثة دوافع: 1ـ الخوف. 2ـ الطمع. 3ـ الحب.
وكذلك ـ ولله المثل الأعلى ـ العامل في أي عمل يعمل ويجتهد ويتحمل المشاق في عمله للأسباب الثلاثة قطعًا: 1ـ الخوف: كمن يعمل عملاً شاقًا ولا يستطيع أن يتخلف عنه مهما كان عذره لخوفه من المدرب أو صاحب العمل أو النظام العام سواء للنادي أو للمؤسسة التي يعمل بها، وهذا السبب زال منذ فترة بعد تحرير العبيد، ولم يبق له إلا شواهد بسيطة كمثل العمل في الدول صاحبة التوجه الاشتراكي التي قاربت على الانقراض، وأيضًا في الأعمال الجبرية كالعاملين في المؤسسات التي تحمل صبغة العسكرية أو أحكام الأشغال الشاقة في السجون. 2ـ الطمع: ولا اقصد به الطمع المذموم فقط، ولكني أقصد به العمل رغبة في الحصول على الأجر المادي أو الدعم المعنوي كهدف أساسي فقط فالعامل يربطه بعمله الحاجة إلى ذلك العمل، والعمل يرضيه ماديًا ومعنويًا ولكن إذا عرض للعامل عملاً أوفر أجرًا أو أعلى مكانة أو أكثر راحة تحول إلى العمل الجديد بلا نقاش؛ لأن هدفه الأول هو الربح المادي والمعنوي. 3ـ الحب: وأقصد به أن المدرب في النادي أو العامل في المؤسسة ويخلص لها ويكد ويتعب ويتفانى في عمله بدافع ـ بعد الأجر طبعًا ـ الحب. فإذا نجح المدرب في زرع روح الحب بين المتدربين تجاه النادي الذي يعملون به فسوف يحصد بإذن الله خيرًا كثيرًا وسيرى نتاج هذا الحب.
ويزيد من صعوبات المدرب أن يكون المتدربين والمعاونون يتعاملون مع النادي بنظرة التلاميذ الذين ينظرون دائمًا إلى الساعة ليخرجوا من هذا المكان، فالإنجازات العظيمة لا تقوم على مثل هؤلاء، فلابد من تغيير أفكارهم، وإن لم تتغير فلابد من تغييرهم؛ لأنهم سيكونون أكبر معوق من معوقات الإنجاز، فهم يؤثرون الراحة ولا يفكرون في تطوير أبدًا، ولا يبحثون عن حلول للمشاكل التي تواجههم في أعمالهم، ينتظرون دائمًا الأوامر ولا يفعلون إلا الأوامر المطلوبة فقط ـ إن فعلوا ـ.
ـ لننظر إلى القمة العالية في إدارة الأفراد رسول الله صلى الله عليه وسلم لنتعلم كيف كان يدير أمر الصحابة رضوان الله عليهم؟ وكيف كان يجمع قلوبهم على الحب والتفاني؟ ـ ولكي تتخيل حب الصحابة لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، اسمح لي أن أعرض عليك هذا الموقف: صحابي جليل اسمه خبيب بن عدي رضي الله عنه أمسك به مشركو مكة بعدما أمنوه فغدروا به، وقرروا إعدامه، وجاءت لحظة التنفيذ، فجمعوا له الناس لكي يشهدوا إعدامه، فسأله أبو سفيان رضي الله عنه ـ وكان لا يزال على شركه ـ: أنشدك الله يا خبيب، أصدقني القول، هل كان يسرك أن يكون محمدًا مكانك تضرب عنقه وأنت في بيتك سالمًا؟ فنطق خبيب بكلمة ألجمت أبا سفيان، قال: ولا أن تصيبه شوكة، فداه نفسي وروحي وأهلي. وهنا قال أبو سفيان: والله ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. ـ فتأمل آخي لحظة الموت لخبيب والإنسان يتمنى في تلك اللحظة أن يخرج منها بأي ثمن ولكنه لا يقبل أن تصيب سيدنا محمد شوكه تؤذيه، أرأيت هذه العلاقة بين القائد وجنوده ؟ أرأيت لو كان هذا شعور العاملين معك ناحيتك وناحية العمل فوالله لو أمرتهم بنقل الجبال لنقلوها بشرط أن تتعلم من رسول الله كيف كان يعاملهم وتقتدي به.
إن الإنسان كالبناء الضخم الشاهق لا يمكن اقتحامه إلا عن طريق واحد وهو باب هذا البناء، وباب البناء أيضًا مغلق ولن تستطيع الدخول من هذا الباب إلا بحصولك على مفتاح هذا الباب، فإذا نظرت إلى حجم البناء وحجم المفتاح تعجبت لكبر البناء وصغر المفتاح، وهكذا مفاتيح القلوب قد تنظر إليها وأنت تقرأ هذه الصفحة فتستصغرها ولكنك إذا كنت من المجربين لهذه المفاتيح ستدرك كلامي هذا، ولو لم تكن جربت مفاتيح القلوب هذه فأنصحك أن تجربها وستدرك ـ إن شاء الله ـ فاعلية هذه المفاتيح.
ولذا فأول المفاتيح أن تكون متواضعًا أمام كل من تعرف، فالسنبلة المليئة بالخير تميل إلى الأرض تواضعًا لأنها مملوءة بالخير، أما السنبلة الفارغة المليئة بالهواء الفارغ والكلام الفارغ والتفاهات تجدها منتصبة في الهواء، مختالة بنفسها وهي لا قيمة لها، فتواضع السنبلة المليئة يزيدها قيمة فوق قيمتها، والناس تدرك تمامًا الفرق بين تواضع العظماء وذلة الجبناء، وصدق من قال: تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع، لا كالدخان يعلو بنفسه إلى طبقات الجو وهو وضيع. وانظر إلى تواضع النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، كان يأكل معهم ويمشى معهم، يكون وسطهم كواحد منهم لا يتميز عليهم بشيء، رغم مكانته العالية، وقد اختار التواضع؛ فقد روي أن رضوان لما نزل سلم على النبي e ثم قال: يا محمد! رب العزة يقرئك السلام، ويقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، مع أنه لا ينقص مالك في الآخرة مثل جناح بعوضة. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريل بيده الأرض يشير أن تواضع. فقال: }يا رضوان لا حاجة لي فيها؛ الفقر أحب إلي، وأن أكون عبدًا صابرًا شكورًا{. فقال رضوان: أصبت! الله لك. فكان متواضعًا لهم، لا يتكبر أبدًا ويقول عن نفسه لرجل وجل منه: »إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة«.
وأعني بها أمرين: الأمر الأول: أن تشارك تلاميذك في أمورهم وتحاول أن تكون قريبًا منهم في أفراحهم وأحزانهم، تكون معهم في السراء والضراء، فالمدرب الناجح هو الذي يرتبط بتلاميذه بروابط متينة، وذلك عن طريق المشاركة في السراء والضراء لهم، وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم يشارك الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ في أفراحهم وأحزانهم ولم يتخلف عنهم أبدًا ولم يعتذر عنهم بسبب أو آخر، فكان يومه كله لصحابته، ولم يكن يخلو بنفسه قط، يتفقد غائبهم، ويعول يتيمهم، ويعين ضعيفهم، ويداوي جريحهم ويواسي مكلومهم، ولم ينشغل عنهم بدعوى الكثرة، فقد بلغ عددهم عند وفاته مائة وأربعة وأربعون ألفًا، ورغم هذا العدد الكبير إلا أن كلاً منهم كان يشعر أنه أقربهم إلى قلبه. ولتتأكد من ذلك إليك هذه الحادثة: يعود الرسول القائد من غزوة، ويعود معه الصحابة، ويتقدمهم كعادته، وبعد قليل يبدأ في التأخر قليلاً، ويأمر الجيش بمواصلة مسيره حتى يرجع إلى مؤخرة الجيش، حيث يصل إلى جابر بن عبد الله حيث كانت ناقته ضعيفة, فتأخر معه وبدأ في الحديث معه قال جَابِرٍ: غَزَوْتُ مَعَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى نَاضِحٍ لَنَا ـ ثُمّ ذَكَرْتُ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ثُمّ ذَكَرَ كَلاَمًا مَعْنَاهُ ـ: فَأُزْحِفَ الْجَمَلُ، فَزَجَرَهُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَانْتَشَطَ حَتّى كَانَ أَمَامَ الْجَيْشِ , فَقَالَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم : «يَا جَابِرُ مَا أَرَى جَمَلَكَ إلاّ قَدِ انْتَشَطَ». قُلْتُ: بِبَرَكَتِكَ يَا رَسُولَ اللّهِ. قَالَ: «بِعْنِيهِ وَلَكَ ظَهْرُهُ حَتّى تَقْدَمَ». فَبِعْتُهُ، وَكَانَتْ لِي إلَيْهِ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، وَلّكِنّي اسْتَحْيَيْتُ مِنْه, فَلَمّا قَضَيْنَا غَزَاتَنَا وَدَنَوْنَا اسْتَأْذَنْتُهُ بِالتّعْجِيلِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إنّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. قَالَ: «أَبَكْرًا تَزَوّجْتَ أَمْ ثَيّبًا؟» قُلْتُ: بَلْ ثَيّبا يَا رَسُولَ اللّهِ , إنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرٍو أُصِيبَ وَتَرَكَ جَوَارِيَ أَبْكَارا فَكَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنّ بِمِثْلِهِنّ، فَتَزَوّجْتُ ثَيّبا تُعَلّمُهُنّ وَتُؤَدّبُهُنّ. فَأَذِنَ لِي، وَقَالَ لِي: «ائْتِ أَهْلَكَ عِشَاءً» , فَلَمّا قَدِمْتُ أَخْبَرْتُ خَالِي بِبَيْعِي الْجَمَلَ فَلاَمَنِي, فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم غدَوْتُ بِالْجَمَل فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الْجَمَلَ وَالْجَمَلَ وَسَهْمًا مَعَ النّاسِ. الأمر الثاني: أن تجعل أعوانك يشاركونك ما أنت فيه، فتطلعهم على الموقف الذي تواجهه والهدف الذي تريد تحقيقه وتشركهم في الأمر كله، حتى يكونوا جميعًا معك فيشاركوك الرأي والنصيحة ويساعدوك على اتخاذ القرار المناسب، ويتحملوا معك النتائج، وهذا ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، ولننظر إلى موقفه يوم بدر، حيث أشرك النبي صحابته في أبعاد الموقف، حيث إن القافلة التي خرجوا من أجلها قد رحلت، وجاء الجيش من أجل القتال بعدة وعتاد يفوقهم بثلاثة أضعاف، فعرض عليهم الموقف وقال: «أشيروا علي أيها الناس»، فتكلم الجند وأحسنوا، وتكلم أبو بكر وتكلم عمر وتكلم المقداد وأحسنوا وأشاروا عليه بمواصلة التقدم للقتال، ولكنه يريد أمرًا آخر أكثر من ثلثي الجيش من الأنصار وبيعة العقبة الثانية تحدد العلاقة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحموه داخل المدينة والقتال خارج المدينة، والموقف يحتاج إلى توضيح للرؤية، فيقوم سعد بن معاذ رضي الله عنه يقول: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «نعم»، فقال: يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدقناك وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا. فسُر النبي لذلك وبشرهم بالنصر على عدوهم.
|
|
جميع الحقوق محفوظة لموقع النينجا العربي الأستاذ : عبدالله ماينور © 2010
|
|